| الحسد |
|
|
|
| الكاتب: الشيخ مصطفى الغلاييني تغمده الله برحمته |
|
كبار النفوس لا يحسدون، لأن الحسد من صغر النفس، و ضعف الإرادة، و لؤم الطبع. و العظيم الأبي من بعدت المساوف بينه و بين هذه الاخلاق الوضيعة.من الكلمات السائرة: "الحسود لا يسود". و هي كلمة -- لو تعلمون -- عظيمة، تتضمن معاني كبيرة. و هي، إن صغر لفظها، فقد كبر معناها، و شرف فحواها.الحسود يكون ضيق الخلق، منقبض الصدر، مضطرب الفكر. إن رأى ذا نعمة، أو شاهد أحداً نال من الناس مقاماً رفيعاً هو أهل له ود لو تحول تلك النعمة إليه، و يكون ذلك المقام طوع يديه، و إن نال الشقاء من اصحابهما مناله. التمني -- كما يقولون -- رأس مال المفلس. و أنى لمن خلا من الإرادة، و عزة النفس، و كرم الطبع، أن ينال المقام المحمود، أو يصل إلى نعمة المحسود! فهو بذلك التمني السافل لا يستطيع أن يحول إليه نعمةً أنعمها الله على عبده، و لا أن يغتصب مقاماً لغيره، فيوسد إليه. بل يبقى -- كما كان -- قليل النعمة، سافل المقام، دنيء النفس، وضيع القدر. و هل يمكن من كان كذلك أن يقبض على ناصية السؤدد، أو يجول في ميدان الشرف؟ لا و رب الكعبة. فإنه بتلك الاخلاق لا يسود ولو عكف على حسده أبد الدهر. أما كبير النفس، فهو إن بصر في غيره بأمر يثنى عليه، أو رآه في منزلة يغبط عليها، فلا يجول في وهمه أن يحسده على نعمته، أو يحط من منزلته. بل يسعى كل السعي لينال مثل مناله و يرقى مثل رقيه. فإن زاد فيه الإباء، فلا يرضى لنفسه إلا بما فوق ذلك المقام، و لا يختار لها إلا ارضى من تلك النعمة. وضاعة النفس تدفع الإنسان إلى أن يتمنى زوال النعمة عن غيره لتكون له و اباؤها يحفزه إلى العمل، ليفوز بالحسنى، و يأبى عليه أن يريد بغيره السوء، ليكون له الخير. فالفرق بين الخلقين عظيم. و قد علمت بما شرحناه معنى قولهم: "الحسود لا يسود" لأن من اخلاق الحسود ضعف الإرادة، و صغر الالنفس، و الجبن عن الإقدام عن عمل السادة. و أحر بمن كان كذلك أن لا يكون سيداً. فالسيادة و هذه الاخلاق على طرفي نقيض. عجيب، والله، أن يتمنى المرء ما لا يكون إلا بجد و عملٍ -- وهو كسول خامل مهمل -- و أن يرجو ما لا يكسبه إلا الحسرة، و لا يعود عليه إلا بانقباض الصدر و هذه صفة الحاسدين. فأحذر، أيها الناشئ، أن تكون من الجاهلين. ربما تبلغ نار الحسد بالحاسد حداً يدفعه إلا إيذاء محسوده، و السعي في ضرره، و بذل الجهد في إيصال الشر إليه. و انما يعمل ذلك ثائراً لنفسه الوضيعة، ظاناً أن هذا العمل يطفئ جمرة طبعه اللئيم. و متى بلغ الحسد بالحاسد هذا المبلغ، كان وحشاً ضارياً، و أفعى في أنيابها السم ناقع، و كثيراً ما يعود الضرر عليه، فيموت بغيظه، و يحرق بنار حسده. ألا إن الحسد كان فيما مضى أكبر أدوائنا، التي على مجدنا و مدنيتنا. و أراه اليوم أفتك وباء فاشٍ في مجتمعنا. فلا ترى أحداً يقوم بما فيه صلاحٌ للبلاد، و منفعة للأمة، إلا وجدت ازاءه من المقاومين الجم الغفير، حسداً من عند أنفسهم، و بغياً على الحق. فإن لم نترك هذا الطبع اللئيم، فلا رجاء للخير، و لا سبيل إلا السعادة. تجنب، أيها الناشئ، الحسد، فإنه من خلق الأدنياء، و صفة الجهلاء. فإن بصرت بقائم بالحق فاعضده، و يسر له السبيل. و إن رأيت نعمة اسبغها الله على عبد من عباده، فاسع إلا مثلها بقلب طاهر و وجدان نقي فإنك تبلغها بإذن الله. و إياك أن يحملك الحسد على مناوأته، فإنك لا تنال منه ما تريد. بل ربما وقعت في حبائل حسدك. و قد قيل: "لله در الحسد ما أعدله! بدأ بصاحبه فقتله!".
|


