| الشجاعة |
|
|
|
| الكاتب: الشيخ مصطفى الغلاييني تغمده الله برحمته |
|
ملاك النجاح في الأعمال أن يكون في نفس العامل شجاعةٌ تدفعه إلى العمل، فلا يرجع عنه حتى ينال ما يريد. و ما أفلح العاملون إلا بهذا الخلق الشريف، فهو يمكن المتخلق به من ناصية خطير الأمور، حتى إليه صعابها بالمقاليد. الشجاعة: هي الحد الوسط بين رذيلتي الجبن و التهور، ففي الجبن تفريط و في التهور إفراط، و في الشجاعة السلامة. الشجاعة: أن تقدم حيث ترى الإقدام عزماً، و تحجم حيث ترى الإحجام حزماً. الشجاعة قسمان وهي: شجاعة أدبية و شجاعة مادية، و كلتاهما من ضروريات الحياة. فالثانية يدفع بها المرء عن وطنه و عن نفسه عوادي من يريد بهما السوء، و يكافح الأعداء في سبيل تعزيز الأمة، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا. فإن إنتصر ألبس الوطن مطارف الشرف، و حلى جيده بعقود الفخر. و إن لم يوفق فيما قصد إليه كان له أجر العامل المخلص. و الأولى يرد بها الظالم عن ظلمه، و الغاوي عن غيه، و يرشد الامة، بالعظة الناجعة، إلى السبيل القويمة لتسلكها و الطريق اللاحب لتمشي فيه. فإن فقدت هذه الشجاعة، تمادى الجائر، و إزداد ضلال الضال، و مشت الامة في غير منهج الصواب، فكانت العاقبة شراً.
و أن اضمحلت تلك، كانت البلاد نهباً مقسماً يصاح في حجراتها، فلا يلفى لصائح مسكت، و يعاث في أكنافها، فلا يرى للعائث من راد. و هناك الطامة الكبرى، اللتي تجعل أفراد الأمة عبيد العصا، و البلية العظمى اللتي تجتاح مميزات تلك الأمة و تقضي على حياتها الاستقلالية، حتى تجعلها كأمس الدابر. هذا، إن جبنت الامة جبناً معنوياً أو مادياً. و إن تهورت في الدفاع، ففي الغالب أن يصيبها ما أصابها في حال جبنها، لأنها، إن اقدمت على المصادمة، قبل أن تأخذ للأمر أهبته و للكفاح عدته، كانت النتيجة شراً أيضاً. فإن قيل: إن كان لا بد من أحد أمرين: التهور أو الجبن، فأيهما خير للأمة؟ فالجواب على هذا: أن ليس فيل جبن خيرٌ قط و أما التهور فقد ينال صاحبه ما يريد. و السلامة من ذلك أن تربي في الأمة روح الشجاعة، فهي الحصن الحصين و المعقل الأمين. فبالشجاعة، معشر الناشئين، تخلقوا، و بحبلها اعتصموا، و لا تدعو لمرض الجبن، و إبليس التهور، إلى قلوبكم سبيلاً، فإن الجبن من البلادة، و التهور من الحمق، و الشجاعة من اخلاق المؤمنين. |


