| التعاون |
|
|
|
| الكاتب: الشيخ مصطفى الغلاييني تغمده الله برحمته |
|
كن عوناً لغيرك، يكن غيرك عوناً لك. و أحبب الخير له، يحبب الخير لك. فالتعاون من الأمور التي يتبادلها الناس. و قل من لا يريد لك السعادة، و لا يقدم على إعانتك، إذا عرف منك أنك تود له ذلك، و تسرع إلى معونته إن دعت الحاجة إليها. اللهم إلا إن كان ممن فسدت اخلاقهم، و سفلت تربيتهم. فكان ممن يغضون عن مقابلة المحسن بالإحسان، فلا يمدون إليه يد المساعدة، و لا ينظرون إليه بطرف المرؤة. و كثيراً ما يدفع اللؤم بهذا الصنف من الناس إلى أن يجزوا من الحسنة السيئة و يستبدلوا الذي هو أدنى باللذي هو خير. و من فعل ذلك كان ممن صدق عليه الأثر: "اتق شر من أحسنت إليه". أقل مراتب التعاون أن تعين غيرك حرصاً على أن تعان متى احتجت إلى المعونة. و أكمل تلك المراتب أن تندفع في هذا الأمر، و أنت غير آمل منه فائدة، و لا راج منه عائدة. بل انك تقدم عليه لأنه فضيلة في نفسه، و أثر صالح يحتذى الناس مثاله، لتنموا روح التعاون بين الامة، فيكون من وراء نموها إجتماع القلوب، و ائتلاف المجموع، و إتحاد الأفكار، و تقارب الميول. إن من تحسن إليه تكون قد نقشت في قلبه محبةً لا تمحوها إلا الإساءة. و الكريم لا يسيء بعد الإحسان. و إن أحسنت إلى الأمة كلها، فقد أقمت في كل فؤاد من أفئدة ابنائها تمثالاً من المفه، و محراباً من المحبة يبقيان ما بقيت الامة. أفراد الامة يحتاج كل واحد منهم إلى الآخر. فإن سلكوا سبيل التعاون و نصر القوي منهم الضعيف، و خفف الغني آلام الفقير، و علم العالم الجاهل، و أرشد المهتدي الضال، و أحب كل فردٍ لغيره ما يحبه لنفسه، كان من وراء ذلك سعادة المجموع، و نهوض الامة من عثرة التخاذل، و تنبهها من فراش الغفلة، و بعثها من مرقد الخمول. و ليس التعاون قاصراً على الأمور المادية فحسب، بل هو عام شامل للأمور المعنوية أيضاً. و هو فيها آكد منه في غيرها. إن رأيت حائراً في أمره، فأعنه بثاقب فكرك و أوضح له طريق رشده. و إن وجدت محزوناً فخفف عنه حزنه، بما تلقيه عليه من دروس التسلية، و ما تروح به الهم عنه من كلمات التفريج، حتى تسري عنه ما ألم به من هم و حزن. و إذا ألفيت حائداً عن سبيل الهدى، سالكاً طريق الردى، تائهاً في مفاوز العمى، فأبذل الجهد لإرشاده بلين الكلام، و الموعضة الحسنة، و المعروف من القول، حتى تحمله على سلوك الصراط المستقيم، و التجمل بالخلق الكريم. على هذا درج السلف الصالح، و في سنة التعاون المادي و المعنوي قد سلكوا. و ما ضرنا، و ضر الامم قبلنا، إلا إهمال هذا الركن الإجتماعي الركين. فقد استبدلوا به قلوباً أصلب من الجلمد، و اخلاقاً ما لانحطiطها من قرار، حتى صار أحدنا للآخر عقرباً لاسعة، و أفعى لادغة. و ما بهذا أمرنا، و لا لمثل ذلك خلقنا. لم نخلق، أيها النشء، إلا لنكون متعاونين على دفع ما يصيبنا من الشقاء، متساندين في السراء و الضراء، عاملين على محو ما ينزل بالأمة من اللأواء. إن الامة محتاجة إلا المعونة، فمدوا إليها أيديكم. هي جاهلة، فأعينوها بالعلم. هي فاسدة، فأعينوها بالإصلاح. هي فقيرة، فأعينوها ببذل المال، لتفتح به المدارس، و تنشئ المعامل و المصانع. فإن فعلتم ذاك، كنتم ابناءها البارين و رجالها العاملين فتعاونوا على ذلك إن الله يحب المتعاونين. |


